الجــــــــــوري
15-12-2003, 14:54
كانت أكثر اخوتها ذكاءً وتألقاً.. تألقت منذ صغرها، تميزت، تفوقت في المدرسة، في الجامعة وفي العمل، كما تدفقت نحوهم حباً ودفئاً رغم برودة مشاعرهم نحوها..
أسرعت تعد طعام العشاء.. أصنافاً متعددة تناسب أذواق الجميع.. فبعد قليل سيجتمع شمل عائلتها في بيتها المتواضع.
عاد زوجها محملاً بأصناف من الفاكهة والحلوى، لم تكن في استقباله كعادتها، بحث عنها، دخل غرفتها فلم يجدها.. ناداها:
- أمينة.. أين أنت؟ سمع صوتها:
- أنا هنا في غرفة المكتب..
دخل الغرفة متسائلاً: وماذا تفعلين في مثل هذا الوقت؟
رآها غارقة خلف المكتب وقد تكدست أمامها أوراق ومظاريف، سألها ممازحاً:
- لم كل هذه الأوراق والمظاريف؟.. كأن ساعي البريد قد ألقى إليك بحقيبته..
ضحكت وقالت له: إنها مفاجأة.. لن أخبرك إلاّ في المساء، وحين يحضر الجميع..
اقترب منها، أخفت الأوراق بيديها وقالت له:
- أرجوك.. لا تضيع بهجة المفاجأة..
دق جرس الباب.. دخل الجميع دفعة واحدة.. أسرعت تمسك يد والدتها، تقبلها، تساعدها لتجلس فوق أقرب أريكة.. ثم قبلت رأس أبيها، حاولت أن تساعده ليجلس فدفعها قائلاً:
- اتركي يدي.. أنا ما زلت شباباً.. لست كأمك العجوز!!
ضحك الجميع.. تبادلوا التحيات والأشواق، ألقى سلمان أصغر إخوتها آخر ما لديه من طرف.. إنه آخر العنقود المدلل!! كانت بعض نكاته سخيفة، إلاّ أنّ والديها ضحكا له من أعماقهما.. قال زوجها مداعباً: آخر نكتة يا جماعة أن أمينة تُعد لكم مفاجأة!
رد أخوها الأكبر عبدالله:
- أخشى أن تكون المفاجأة أَنْ لا عشاء اليوم!!
التفوا حول مائدة الطعام العامرة.. توقفوا عن الكلام والضحك، أكلوا بشهية متناهية فقال زوجها مبتسماً:
- عليكم الآن أن تلقوا النكات وعليّ أن آكل!!
رد الوالد: - يا لك من صهر!! كيف نتكلم ولا أحد يجيد الطبخ كما كانت تجيده زوجتي إلا ابنتي أمينة.. طعام رائع .. سلمت يداك.
لحظات رائعة تمطر سعادة وحباً.. تشع صفاءً ونقاءً.. إنها أجمل أوقاتها حين ترى عُرى الألفة والمحبة تحكم وثاق أسرتها الغالية.. إنها تحبهم جميعاً.. تتمنى لهم كل خير.. كما تتمناه لنفسها تماماً.. تمطى سلمان وضرب بكلتا يديه على بطنه وقال: لقد امتلأت.. الحمد لله.
قالت له: هيا يا صغيري..هيا كل.. الملوخية خصيصاً لأجلك.. إنها تشعر نحوه كأم.. إنها تدلّله كأمها تماماً.. تشعر أَنّ في رضاه رضا والديها عنها.. قدمت له منذ صغره كل ما تستطيع، غمرته حباً ودلالاً ومالاً.. أعطته الكثير، فهو الصغير الأثير!!
قال لها: والآن أين المفاجأة؟..
وقفت، استعدت للموقف.. قالت لهم:
- أنا مشغولة منذ شهر بحل مسابقات وألغاز جائزتها مليون ريال..
صاح الجميع: - مليون ريال!! غير معقول!!
- صدقوني.. لقد استطعت بعد جهد أن أفُكّ ألغازها وأن أجيب عن أسئلتها العلمية والثقافية.. أنا متأكدة من الحل الصحيح..
قال سلمان: - إذن ستفوزين بالمليون ريال حتماً!!
أجابته بحدة: - لا.. لا.. لن يكون لي وحدي.. لو حصل وكنتُ الفائزة لتقاسمته بالتساوي معكم جميعاً.. لن أرضى أن يكون المليون لي وحدي.. تصوروا!! لقد كتبت باسم كل واحدٍ منا عشر إجابات صحيحة، ووضعتها في عشرة مظاريف، سوف أرسل ستين إجابة صحيحة.. أي حسب قانون الاحتمالات ستكون فرصة الفوز لواحدٍ منا أكيدة بإذن الله..
سألها عبدالله:
- هل أنت جادة يا أمينة؟.. ألا تمزحين؟..
- لا.. لا.. أنا واثقة من إجاباتي.. على الأقل سيفوز واحد منا وسنتقاسم المليون..
قال سلمان معترضاً: ومن قال لك سنتقاسم الجائزة؟..
- أنا شخصياً لو كان من نصيبي لاحتفظت بها لنفسي، ولما أعطيت واحداً منكم ريالاً!!
قال له: أنت تمزح.. غير معقول!
أجاب بلا مبالاة: - لا.. لا أمزح إطلاقاً.. هذا ما سأفعله!!
صمتت أمينة برهة، صدمتها أنانية أخيها الصغير.. أحزنتها.. ولكن هذا ما يُتوقع من شاب لم يتعود حمل المسؤولية، تعود أن يأخذ من الجميع ولا يعطي أحداً!! أما أخواها الباقيان فهما مختلفان بالتأكيد، وأمها وأبوها وزوجها.. ترى ما موقفهم لو حصل أحدهم على الجائزة؟
ترددت قبل أن تسألهم جهراً.. خطرت ببالها فكرة.. قالت لهم:
- ما رأيكم لو أسأل كل واحد منكم – سراً - عما سيفعله بالمليون؟ عليكم أن تجيبوا بصدق وصراحة.. لا تخافوا.. لن أفشي سركم!! ضحك الجميع فقد أعجبتهم الفكرة..
تقدمت من أبيها سألته فهمس في أذنها وقال:
- سوف أتزوج من شابة تجدد لي حياتي.. ولكن تذكري.. هذا سر بيننا.
نظرت إلى أمها مشفقة، تمنت أن يكون غير جاد، كما تمنت ألا يكون المليون من نصيبه..
سألت أمها برفق: - وأنت يا أحلى أم..
همست الأم وأجابت دون تفكير:
- سوف أهدي المليون لسلمان، فهو الصغير الضعيف.. ولم يتزوج بعد!!
قالت لنفسها: يا إلهي!! كيف تؤثره علينا جميعاً.. ألسنا أولادها!! كيف تُكسبه المال وتفقده محبة إخوته واحترامهم!!
نظرت إلى أخيها عبدالله.. إنه الكبير العاقل، هو من تعوَّد حمل المسؤولية والبذل والعطاء.. سألته بكل حب: وأنت يا عزيزتي؟
طلب منها أن تقترب منه أكثر وقال بصوت لا يكاد يُسمع:
- سأشتري بيتاً جديداً.. سأنفصل بزوجتي وأولادي عن أمك وأبيك، أنا متعب جداً من كثرة مسؤولياتي يا أمينة.
يا إلهي!! لم تكن لتتوقع هذه الإجابة!! مستحيل!! إنه متضايق من وجود أمه وأبيه.. يريد أن يتخلى عن مسؤوليته نحوهما!! ليتها لم تسأله.. شعرت بدوار خفيف ثم برغبة في التقيؤ!! جلست والدنيا تدور من حولها.. نظرت إلى أخيها أحمد.. إنه أملها الأخير!! ربما كان أفضل من أخويه.. إنه صاحب ملايين، مؤكداً سيتقاسم المليون مع الجميع.. لابدّ أن يفعل.. ليس من أجل المال.. بل ليشعل في نفسها بصيص أمل، وومضة خير! تقدم هو منها وقال:
ألم يأت دوري بعد؟! ثم قال هامساً دون أن تسأله:
- لو كسبت المليون فسيكون قد جاء في وقته المناسب تماماً.. أنا سأجري صفقة جديدة أحتاج فيها مليوناً وربما أكثر!!
شعرت بالدوار من جديد.. ليتها لم تسمع ما سمعت.. ليتها لم تسأل وليتهم لم يجيبوا!!
نظر إليها زوجها بحب.. ربما كان هو الوحيد الذي أدرك أنها متعبة، ربما لن يتخلى عنها لو ربح الجائزة.. ولكن ما يدريها؟.. ومَنْ يضمن لها؟.. نظرت إليه ملياً هَمّت أن تسأله.. توقفت، لقد خافت من إجابته.. خشيت أن يُطفئ في نفسها آخر ومضة حب وأمل.. اقترب منها هامساً.. أبعدته.. قالت له بحدة:
- أرجوك.. أرجوك لا تتكلم.. لا أريد منك إجابة!!..
أسرعت إلى غرفة المكتب، جمعت كل الأوراق والمظاريف المتراكمة، حملت كل الإجابات التي تعبت فيها شهراً كاملاً.. ألقت بذلك الحمل الثقيل في المطبخ.. في سلة المهملات.. أشعلت به النار لتأكله وتخفي معه الحقيقة.. نظرت إلى الأوراق وهي تحترق، تلمست قلبها الأبيض النظيف.. شعرت أن وهج النار ينتقل إليه.. إنه يحترق ويتشح بالسواد!! بكت بمرارة..
مسحت دموعها بسرعة، خافت أن يكتشف الجميع سر بكائها.. بل خافت أن يكتشفوا حقيقة أنفسهم المريضة!! قالت في سرها:
على الإنسان إن يعيش مغمض العينين في كثير من الأحيان لتستمر الحياة..
حملت صينية الكنافة.. وضعتها أمامهم.. قالت:
- هذه هي المفاجأة التي أعددتها لكم.. كانت قصة المليون مزاحاً!!
نظر إليها الجميع مشدوهين.. مدت يدها لتأكل.. قالت:
- هيا تفضلوا.. نحن بأشد الحاجة لحلوى نمسح بها مرارة أفواهنا!!!
منـــــــقول
أسرعت تعد طعام العشاء.. أصنافاً متعددة تناسب أذواق الجميع.. فبعد قليل سيجتمع شمل عائلتها في بيتها المتواضع.
عاد زوجها محملاً بأصناف من الفاكهة والحلوى، لم تكن في استقباله كعادتها، بحث عنها، دخل غرفتها فلم يجدها.. ناداها:
- أمينة.. أين أنت؟ سمع صوتها:
- أنا هنا في غرفة المكتب..
دخل الغرفة متسائلاً: وماذا تفعلين في مثل هذا الوقت؟
رآها غارقة خلف المكتب وقد تكدست أمامها أوراق ومظاريف، سألها ممازحاً:
- لم كل هذه الأوراق والمظاريف؟.. كأن ساعي البريد قد ألقى إليك بحقيبته..
ضحكت وقالت له: إنها مفاجأة.. لن أخبرك إلاّ في المساء، وحين يحضر الجميع..
اقترب منها، أخفت الأوراق بيديها وقالت له:
- أرجوك.. لا تضيع بهجة المفاجأة..
دق جرس الباب.. دخل الجميع دفعة واحدة.. أسرعت تمسك يد والدتها، تقبلها، تساعدها لتجلس فوق أقرب أريكة.. ثم قبلت رأس أبيها، حاولت أن تساعده ليجلس فدفعها قائلاً:
- اتركي يدي.. أنا ما زلت شباباً.. لست كأمك العجوز!!
ضحك الجميع.. تبادلوا التحيات والأشواق، ألقى سلمان أصغر إخوتها آخر ما لديه من طرف.. إنه آخر العنقود المدلل!! كانت بعض نكاته سخيفة، إلاّ أنّ والديها ضحكا له من أعماقهما.. قال زوجها مداعباً: آخر نكتة يا جماعة أن أمينة تُعد لكم مفاجأة!
رد أخوها الأكبر عبدالله:
- أخشى أن تكون المفاجأة أَنْ لا عشاء اليوم!!
التفوا حول مائدة الطعام العامرة.. توقفوا عن الكلام والضحك، أكلوا بشهية متناهية فقال زوجها مبتسماً:
- عليكم الآن أن تلقوا النكات وعليّ أن آكل!!
رد الوالد: - يا لك من صهر!! كيف نتكلم ولا أحد يجيد الطبخ كما كانت تجيده زوجتي إلا ابنتي أمينة.. طعام رائع .. سلمت يداك.
لحظات رائعة تمطر سعادة وحباً.. تشع صفاءً ونقاءً.. إنها أجمل أوقاتها حين ترى عُرى الألفة والمحبة تحكم وثاق أسرتها الغالية.. إنها تحبهم جميعاً.. تتمنى لهم كل خير.. كما تتمناه لنفسها تماماً.. تمطى سلمان وضرب بكلتا يديه على بطنه وقال: لقد امتلأت.. الحمد لله.
قالت له: هيا يا صغيري..هيا كل.. الملوخية خصيصاً لأجلك.. إنها تشعر نحوه كأم.. إنها تدلّله كأمها تماماً.. تشعر أَنّ في رضاه رضا والديها عنها.. قدمت له منذ صغره كل ما تستطيع، غمرته حباً ودلالاً ومالاً.. أعطته الكثير، فهو الصغير الأثير!!
قال لها: والآن أين المفاجأة؟..
وقفت، استعدت للموقف.. قالت لهم:
- أنا مشغولة منذ شهر بحل مسابقات وألغاز جائزتها مليون ريال..
صاح الجميع: - مليون ريال!! غير معقول!!
- صدقوني.. لقد استطعت بعد جهد أن أفُكّ ألغازها وأن أجيب عن أسئلتها العلمية والثقافية.. أنا متأكدة من الحل الصحيح..
قال سلمان: - إذن ستفوزين بالمليون ريال حتماً!!
أجابته بحدة: - لا.. لا.. لن يكون لي وحدي.. لو حصل وكنتُ الفائزة لتقاسمته بالتساوي معكم جميعاً.. لن أرضى أن يكون المليون لي وحدي.. تصوروا!! لقد كتبت باسم كل واحدٍ منا عشر إجابات صحيحة، ووضعتها في عشرة مظاريف، سوف أرسل ستين إجابة صحيحة.. أي حسب قانون الاحتمالات ستكون فرصة الفوز لواحدٍ منا أكيدة بإذن الله..
سألها عبدالله:
- هل أنت جادة يا أمينة؟.. ألا تمزحين؟..
- لا.. لا.. أنا واثقة من إجاباتي.. على الأقل سيفوز واحد منا وسنتقاسم المليون..
قال سلمان معترضاً: ومن قال لك سنتقاسم الجائزة؟..
- أنا شخصياً لو كان من نصيبي لاحتفظت بها لنفسي، ولما أعطيت واحداً منكم ريالاً!!
قال له: أنت تمزح.. غير معقول!
أجاب بلا مبالاة: - لا.. لا أمزح إطلاقاً.. هذا ما سأفعله!!
صمتت أمينة برهة، صدمتها أنانية أخيها الصغير.. أحزنتها.. ولكن هذا ما يُتوقع من شاب لم يتعود حمل المسؤولية، تعود أن يأخذ من الجميع ولا يعطي أحداً!! أما أخواها الباقيان فهما مختلفان بالتأكيد، وأمها وأبوها وزوجها.. ترى ما موقفهم لو حصل أحدهم على الجائزة؟
ترددت قبل أن تسألهم جهراً.. خطرت ببالها فكرة.. قالت لهم:
- ما رأيكم لو أسأل كل واحد منكم – سراً - عما سيفعله بالمليون؟ عليكم أن تجيبوا بصدق وصراحة.. لا تخافوا.. لن أفشي سركم!! ضحك الجميع فقد أعجبتهم الفكرة..
تقدمت من أبيها سألته فهمس في أذنها وقال:
- سوف أتزوج من شابة تجدد لي حياتي.. ولكن تذكري.. هذا سر بيننا.
نظرت إلى أمها مشفقة، تمنت أن يكون غير جاد، كما تمنت ألا يكون المليون من نصيبه..
سألت أمها برفق: - وأنت يا أحلى أم..
همست الأم وأجابت دون تفكير:
- سوف أهدي المليون لسلمان، فهو الصغير الضعيف.. ولم يتزوج بعد!!
قالت لنفسها: يا إلهي!! كيف تؤثره علينا جميعاً.. ألسنا أولادها!! كيف تُكسبه المال وتفقده محبة إخوته واحترامهم!!
نظرت إلى أخيها عبدالله.. إنه الكبير العاقل، هو من تعوَّد حمل المسؤولية والبذل والعطاء.. سألته بكل حب: وأنت يا عزيزتي؟
طلب منها أن تقترب منه أكثر وقال بصوت لا يكاد يُسمع:
- سأشتري بيتاً جديداً.. سأنفصل بزوجتي وأولادي عن أمك وأبيك، أنا متعب جداً من كثرة مسؤولياتي يا أمينة.
يا إلهي!! لم تكن لتتوقع هذه الإجابة!! مستحيل!! إنه متضايق من وجود أمه وأبيه.. يريد أن يتخلى عن مسؤوليته نحوهما!! ليتها لم تسأله.. شعرت بدوار خفيف ثم برغبة في التقيؤ!! جلست والدنيا تدور من حولها.. نظرت إلى أخيها أحمد.. إنه أملها الأخير!! ربما كان أفضل من أخويه.. إنه صاحب ملايين، مؤكداً سيتقاسم المليون مع الجميع.. لابدّ أن يفعل.. ليس من أجل المال.. بل ليشعل في نفسها بصيص أمل، وومضة خير! تقدم هو منها وقال:
ألم يأت دوري بعد؟! ثم قال هامساً دون أن تسأله:
- لو كسبت المليون فسيكون قد جاء في وقته المناسب تماماً.. أنا سأجري صفقة جديدة أحتاج فيها مليوناً وربما أكثر!!
شعرت بالدوار من جديد.. ليتها لم تسمع ما سمعت.. ليتها لم تسأل وليتهم لم يجيبوا!!
نظر إليها زوجها بحب.. ربما كان هو الوحيد الذي أدرك أنها متعبة، ربما لن يتخلى عنها لو ربح الجائزة.. ولكن ما يدريها؟.. ومَنْ يضمن لها؟.. نظرت إليه ملياً هَمّت أن تسأله.. توقفت، لقد خافت من إجابته.. خشيت أن يُطفئ في نفسها آخر ومضة حب وأمل.. اقترب منها هامساً.. أبعدته.. قالت له بحدة:
- أرجوك.. أرجوك لا تتكلم.. لا أريد منك إجابة!!..
أسرعت إلى غرفة المكتب، جمعت كل الأوراق والمظاريف المتراكمة، حملت كل الإجابات التي تعبت فيها شهراً كاملاً.. ألقت بذلك الحمل الثقيل في المطبخ.. في سلة المهملات.. أشعلت به النار لتأكله وتخفي معه الحقيقة.. نظرت إلى الأوراق وهي تحترق، تلمست قلبها الأبيض النظيف.. شعرت أن وهج النار ينتقل إليه.. إنه يحترق ويتشح بالسواد!! بكت بمرارة..
مسحت دموعها بسرعة، خافت أن يكتشف الجميع سر بكائها.. بل خافت أن يكتشفوا حقيقة أنفسهم المريضة!! قالت في سرها:
على الإنسان إن يعيش مغمض العينين في كثير من الأحيان لتستمر الحياة..
حملت صينية الكنافة.. وضعتها أمامهم.. قالت:
- هذه هي المفاجأة التي أعددتها لكم.. كانت قصة المليون مزاحاً!!
نظر إليها الجميع مشدوهين.. مدت يدها لتأكل.. قالت:
- هيا تفضلوا.. نحن بأشد الحاجة لحلوى نمسح بها مرارة أفواهنا!!!
منـــــــقول