اللازوردي
28-04-2006, 23:49
:eek: كنت كعادتي أهم باللحاق بالقطار متوجها للعمل في ظل جو قارس أحاول أن ألملم أطرافي المبعثرة ماسكا بحقيبة الظهر وكأنني مراهق يتعرف للعالم لأول مرة وينظر إليه بعيني طفل لا تعرف غير الإبتسام ،خفق قلبي من ضيق الوقت ،وبت أوبخ نفسي على تأخري الدائم ،وعدم ضبط نفسي التائهة بمحرابها المقدس الملئ بتقادم وتنافر الأفكار والأصوات المختلطة .لابد وأن هناك شيئا ما خطأ في مخي،ولازلت أتمتم لنفسي بأن عقلي مركب غلط {على حد تعبير صديقي سمير}قفزت كلماته من عالم قديم وبعيد في شرق متلألئ تشرق فيه الشمس كل يوم ،وليست أرضا باردة الطقس معظم طوال العام .وأخرجني صوته القادم من الأعماق من متاهتي وإضطراب أفكادري لأجده أمامي وجها لوجه وكأننني أحلم ،ولكنه كان أمامي بشحمه ولحمه .هكدا هو دائما تجده في أماكن غير متوقعه في وقت لاتتصوره .ركضنا سويا نحو المحطة ،ولسعادتي وجدته متوجها لكارديف مثلي .وقبل أن أسأله بادرني بأنه طلق زوجته ،وقد ترك مانشستر وهو يبحث له عن موطئ قدم ،ولا يعلم أين سترميه الأقدار.فقد طلب تحويلا من فرع الشركة ولو في بلاد الوقواق لأبعد بلد في العالم ،فهو بحاجة لفترة نقاهة مماحدث ليغمر نفسه في أحضان عمل يستسلم له وينقاد إليه وكأن الهروب هو الحل ،وليس مواجهة المرء لمشاكله كفارس وإن ضعف أحيانا فالإنسان يتقهقر ولا ينكسر كما قال همنجواي .وكأنه قرأ أفكاري فأجابني أنه لم يعد يمارس هواياته المتعددة من سباحة وكرة قدم والعزف على العود .بل إنه يتعلم الكاراتيه ليفرغ شحنات الغضب في داخله من جراء تعاسة حياته الزوجية،ولما فغرت فاهي :تنهد عميقا وزفر .فقال :من كان يظن أن تنتهي الأمور بهدا السؤ ،فقد طرد شر طردة وحدث أبعض الطلاق بعد أن طاف الكيل .تفحصته مليا لأجده غير ما عهدت عليه فقد أصبح كزهرة دابلة وضاع بريق عينيه وإنطفأ وخبا كل شئ فيه .لاشئ فيه من نشاطه المحموم وضحكاته العالية والتي لم تكن تنتهي .نظرت عبر النافدة لأجد الجو مكفهرا وملبدا بالغيوم .ولاشمس في الأفق لبضعة أشهر .إختلست النظر إليه لأجده مطبقا وكأن على رأسه الطير .وحمدت الله على حريتي بعيدا عن القفص .وقطع دخول النادل حبل أفكاري ،فتناولنا القهوة الصباحية على نغمات عجلات القطار الصاخبة ولفحة برد آتية من غياهب غارقة في الظلام مع أن الوقت هو السابعة صباحا.فياله من صمت مطبق لا تقطعه سوى رشفات وهمهمات متعددة .تمنيت أن أسأله عن تفاصيل ماحدث ،ولكني لم أشأ أن أثقل عليه دفعة واحدة .تساءلت في نفسي عن أسباب نسبة الطلاق المرتفعة في عالم اليوم سوى في الشرق أو في الغرب ،وخاصة في المدن الكبيرة دات الطابع الإستهلاكي .زفرت عميقا متحسرا على واقع ممزق و متلاشئ يصعب القبض على تلابيبه كأنه يترنح ،فأنزلقت الأفكار المتلاطمة في أعماقي من بين يدي كأنها خرير ماء .ولم تمض هنيهات حتى وصلت إلى محطتي وإفترقنا على أمل تجدد اللقاء .وظل شبحه يطاردني طيلة دلك اليوم حتى آويت لفراشي حاندا شاكرا ربي على نعمة خلو البال .فغرقت في نوم عميق وهادئ.