ابداع الحرف
14-05-2003, 01:58
أنا بندقية قديمة.. قديمة جدا , كنت قبل مدة ملقاة باهمال في مستودع يملكه تاجر كبير . لا أخفيكم القول انني كنت اشعر بالضيق الشديد للحال التي وصلت اليها في ذلك المخزن الكبير المخصص للاسلحة القديمة المهملة . تمنيت ان يحصل اي شيء لأخرج من عزلتي , وهذا ماحدث , وكأن الله استجاب لي , فذات يوم وبينما كنت استلقي في مكاني , دخل صاحب المخزن وراح يحدث احد العمال الذين احضرهم اخيرا لتنظيف المخزن .
قال الرجل بسخرية : تخيل .. انهم يريدون عمل معرض غريب للاسلحة القديمة , لقد اشترت مني المدرسة كل الاسلحة القديمة الموجودة في المستودع .
فرحت كثيرا , خاصة عندما راح العامل يخرج جميع الاسلحة ويضعها في الهواء الطلق , تمهيدا لنقلها الى المدرسة , صدقوني , لقد احببت ذلك العامل الذي اقترب مني وحملني ثم وضعني في الخارج لارى اجمل مخلوق في الدنيا .. الشمس .
لا أدري كم مر من الوقت وانا احلم بمكاني الجديد في المدرسة , قال صاحب المخزن , انهم سيقومون بالمعرض بعرضنا على التلاميذ ليرونا .
الشيء الذي لم اتوقعه , هو حصول حدث غريب في المدرسة , فقد تم اختيار عدد من البنادق والمسدسات , لعرضها على الطلبة , وتم اهمال عدد من الاسلحة الاخرى .
للاسف انني لم اكن من بين تلك القطع المختارة , فاعترضت على ذلك , وزاد من حزني ان كل قطعة سلاح من القطع المختارة راحت تتحدث عن بطولاتها في حماية الاوطان والاطفال , وراح بعض الكتبة يدونون ما يقال .
اعترضت على ذلك , قلت للمديرة بحزن :
انا مسكينة .. بندقية مسكينة ذات تاريخ حافل بالنضال .. يحق لي بعد كل سنوات الاهمال ان اظهر للناس .
لم تقتنع المديرة , فقد قالت وهي تربت على كتفي :
انتي استخدمتي في قتل الاطفال الابرياء .. هذا المعرض فقط للاسلحة التي دافعت عن الاطفال
قلت :
انا لم افعل ذلك برضاي
قالت المديرة :
بل فعلت .. انتي قتلتي عدة اطفال .. هذا الموضوع مكتوب في سجلك الذي احضرناه من عند البائع , واذا كنتي لاتصدقين فان احد الذين قتلتهم اسمه ابو الشامات .
بصراحة .. شعرت بان كل الدنيا لاتسعني , وتمنيت ان اعود الى مكاني السابق المهمل , وحينما تمالكت نفسي , نظرت حولي فرايت اطفال المدرسة كلهم ينظرون الي بحيرة .. قلت للمديرة وللتلاميذ محاولة شرح وجهة نظري :حكايتي فيها الكثير من الحزن والفرح والخيانة . صنعت هناك في بلاد تفصل بيننا وبينها جبال ووديان وبحار .. انا بندقية قديمة , في عام 1948 اشتراني رجل يهودي واعطاني لشاب اسمه ديفيد .
كان ديفيد يهتم بي كثيرا , وينظفني كل يوم , وكان يردد على مسامعي جملا غريبة , وكنت اسمعه احيانا يتناقش مع مجموعة من الرجال حول اشياء مهمة ستحصل .
في احدى المرات سمعتهم يتناقشون , وكان صاحبي يقول لصديقة : سأهاجر .
-متى ؟
-قريبا .
-الى اين ؟
-الى بلاد العسل والخيرات . الارض التي تنتظرنا منذ الاف السنين .
-هل تريد القول .. فلسطين
-نعم فلسطين حلمنا الابدي .. يجب ان نطرد العرب منها
وفعلا ابحر ديفيد ومجموعة كبيرة من الشباب على ظهر سفينة انجليزية متجهه الى فلسطين .. كانو على ظهر السفينة يحملون الكثير الكثير من الاسلحة المختلفة , فقد تعرفت على اصناف مذهلة من البنادق والرشاشات والمدافع .
في الطريق , كان ديفيد يحملني بين يديه ويحتضنني , ويتحدث الي , ويحدثني عن حق اليهود في فلسطين , وكثيرا ما حذرني من انه علي ان اعمل بكل طاقتي في فلسطين , لان العرب متوحشون , ويقتلون بلا رحمة .
نسيت ان اقول لكم اننا معشر البنادق لا نحب قتل الابرياء , واننا نحزن كثيرا اذ تم استخدامنا للشر , وهذا الشيء جعلني اشعر بالسرور , بل واتحمس لقتل العرب مادامو اشرارا كما يقول ديفيد .
بعد ابحار طويل وصلنا الى مدينة اسمها حيفا , وهناك شاهدت الجنود الانجليز وهم يحمون اليهود الذين يدخلون فلسطين عن طريق البحر .
وهناك على الشاطئ تجمع رجال كثيرون راحو يرددون الشعارات المعادية للانجليز واليهود , وكانوا يحاولون الاقتراب من السفينة التي كنت فيها , ولكن الجنود الانجليز ضربوهم بشدة , بل انهم راحو يطلقون عليهم الرصاص , لتسيل الدماء على الارض .. ياه .. هؤلاء المساكين هم العرب !
بعد ان تمكنا من دخول فلسطين , سكن صاحبي في مستعمرة جميع سكانها من اليهود القادمين من اوروبا , وكانو يعملون في الزراعة امام الناس , ويتدربون في السر على القتال , وكانو يتباكون من ان العرب يعتدون عليهم بشكل دائم , والواقع انني لم اشاهد عربيا واحدا يعتدي عليهم , ولكن .. فكرت في الموضوع , فخمنت ان العرب يعتدون على المستعمرات الاخرى .
ذات يوم جاءني صاحبي , وهمس في اذني : سنقوم بعملية بطولية ضد العرب .
فرحت كثيرا , وكدت ان ارقص من السرور , وزاد فرحي وانا اتمايل داخل السيارة التي تسير ليلا , ورحت اتخيل نفسي وانا اجلس مع صاحباتي بعد تلك العملية , وانا افتخر بالعملية البطولية التي قمت بها .
استمرت السيارة تسير بنا نحو قرية عربية سمعتهم يرددون اسمها ويقولون انها ( دير ياسين ) .
في وسط الطريق قال صاحبي لزميلة : سنقتلهم جميعا .
-بل سنطهر الارض منهم .. تخيل كم ستكون الارض جميلة دون ان يكون فيها عرب .
وضحكوا كثيرا , وساروا حتى بلغوا ابواب القرية والسكون يلفها , فوجئت بعدد كبير من السيارات المصفحة والمجنزرات تقف هناك , وفي ساعة الصفر بدأ الهجوم .
في البداية قامت طائرةة بقصف القرية بسبع قنابل , ثم بدأ المشاة بالتقدم , وفرحت وانا ارى اكثر من خمس عشرة دبابة تتقدم وهي تدك القرية بقنابلها الرهيبة .
شيء جميل ان تشارك بندقية مثلي لاتمتلك اي خبرة في القتال في مثل هذه المهمة الجميلة , وسعدت اكثر بصاحبي ديفيد الذي راح يشارك المقاتلين الذين راحوا يطلقون النار في كل الاتجاهات .
حينما كانت الرصاصات تنطلق من فوهتي , مشاعر غريبة كانت تنتابني , مشاعر ممزوجة بالنشوة والفرح والانطلاق , ولم يستمر هذا الشعور طويلا , فقد توقف ديفيد عن اطلاق النار , وراح يساعد بعض المقاتلين , الذين اخذو يحرقون بيوت القرية بالقنابل اليدوية واهلها مازالو فيها , حتى حمير القرية لم تسلم من القتل قلت لصاحبي مستهجنة : لماذا تقتلون الاطفال ؟
-انهم عرب .. ارهابيون .. يجب ان يموتو جميعا .
والذي حصل بعد ذلك , هو ان صاحبي راى من بعيد امراة عربية تقع على الارض مضرجة بدمائها .. المسكينة كانت تحمل بين يديها طفلا رضيعا , كانت تحتضنه بقوة حتى لايقع منها , وهي تتمايل متألمة .
نظر اليها صاحبي وسرح بعيدا , ظننت ان قلبه رق على المراة , وانه يريد انقاذها , وما اكد ظني انه اقترب منها , ثم انحنى الى الارض , وحمل الطفل بين يديه , ثم قربه من فمه وقبله .
كان وجه الطفل صغيرا جدا , وفيه عدد من الشامات الصغيرة الجميلة . وانا ارى صاحبي يعطف عليه احسست انني احبه اكثر , حاولت ان اقول له ذلك , لكنه ابتدرني بالقول :
-علينا مهمة عظيمة ياحبيبتي .
-نعم .. يجب ان ننقذ هذا الطفل المسكين .
-نعم .. يجب ان ننقذه , وافضل طريقة لذلك هي ..
لم يكمل صاحبي كلامه , بل صوبني نحو الطفل , فصرخت به غاضبة : ماذا تفعل ؟
-اريد قتل الطفل وتخليصه من الحياة .
-هذا حرام .
-بل حلال .. الا تعلمين ماذا سيصبح هذا الطفل عندما يكبر .. سيصبح قاتلا .. لذلك يجب قتله من الان من اجل ان تقوم دولة ( اسرائيل ) .
لا ادري كيف طاوعته وقتلت الطفل . الذي المني حقا , هو ان امه التي كانت تلتقط اخر انفاسها , لم تفقد الامل بالمقاومة بل زحفت حتى وصلت الى حجر وامسكته , وضربت به صاحبي , حتى اسالت الدم من وجهه , وماتت الام وطفلها في نفس الوقت .
صدقوني يا أطفال .. انني فقط في تلك اللحظة ادركت ان صاحبي هو الارهابي . نعم صدقوني .. الارهابي هو الذي يخرج في الليل , ويدخل القرى الامنة ويقتل اطفالها ونساءها وحتى حيواناتها . شعرت بالقرف .. لكن .. ماذ يمكن ان افعل .. صدقوني .. صدقوني .. بكست وانا ارى ديفيد واصحابه يمسكون بامراة حامل ويشقون بطنها بالسكين فيخرج الجنين منها لقتلوه على الفور , وهم يصرخون بنشوة ..
مت يا عربي .. الموت لكل العرب .
الطفل ابو الشامات مات شهيدا برصاصة خرجت من احشائي .. وانا اسفة .. اسفة من اجله , ومن اجل كل الاطفال الذين ماتوا على يد اليهود .
بكيت وانا حدث الاطفال عن قصتي , ومع كل التاثر الذي بدا واضحا على وجه المديرة الا انها بقيت مصرة على انها لن تقوم في هذا المعرض بعرض بندقية قتلت طفلا بريئا , وكدت ان افقد الامل .. لكن طفلة صغيرة خرجت من بين التلاميذ , وقالت للمديرة :
لماذا لانعمل معرضا للاسلحة التي اقترفت جرائم وندمت حتى تظهر للناس مدى بشاعة القتل والحروب .
الغريب ان المديرة وافقت على الفور , وقررت عمل معرض بجانب المعرض الاول , ليتعرف الناس على الاسلحة التي استخدمت في القتل .
الشيء المذهل الذي حصل بعد ذلك , ان كل الناس الذين قابلوني , بكوا علي وشعروا وكانهم فقدوا اطفالهم هم .
بعد ان انتهى المعرض .. رفع الاطفال كلهم ايديهم الى السماء ودعو الله ان يخلص فلسطين من القتلة المجرمين , وان يعيش كل اطفال العالم بامان .
أعيش الان في امان , واشعر ببعض الراحة لانني فضحت القتلة .. رحم الله ( ابو الشامات ) وكل الاطفال الشهداء .
قال الرجل بسخرية : تخيل .. انهم يريدون عمل معرض غريب للاسلحة القديمة , لقد اشترت مني المدرسة كل الاسلحة القديمة الموجودة في المستودع .
فرحت كثيرا , خاصة عندما راح العامل يخرج جميع الاسلحة ويضعها في الهواء الطلق , تمهيدا لنقلها الى المدرسة , صدقوني , لقد احببت ذلك العامل الذي اقترب مني وحملني ثم وضعني في الخارج لارى اجمل مخلوق في الدنيا .. الشمس .
لا أدري كم مر من الوقت وانا احلم بمكاني الجديد في المدرسة , قال صاحب المخزن , انهم سيقومون بالمعرض بعرضنا على التلاميذ ليرونا .
الشيء الذي لم اتوقعه , هو حصول حدث غريب في المدرسة , فقد تم اختيار عدد من البنادق والمسدسات , لعرضها على الطلبة , وتم اهمال عدد من الاسلحة الاخرى .
للاسف انني لم اكن من بين تلك القطع المختارة , فاعترضت على ذلك , وزاد من حزني ان كل قطعة سلاح من القطع المختارة راحت تتحدث عن بطولاتها في حماية الاوطان والاطفال , وراح بعض الكتبة يدونون ما يقال .
اعترضت على ذلك , قلت للمديرة بحزن :
انا مسكينة .. بندقية مسكينة ذات تاريخ حافل بالنضال .. يحق لي بعد كل سنوات الاهمال ان اظهر للناس .
لم تقتنع المديرة , فقد قالت وهي تربت على كتفي :
انتي استخدمتي في قتل الاطفال الابرياء .. هذا المعرض فقط للاسلحة التي دافعت عن الاطفال
قلت :
انا لم افعل ذلك برضاي
قالت المديرة :
بل فعلت .. انتي قتلتي عدة اطفال .. هذا الموضوع مكتوب في سجلك الذي احضرناه من عند البائع , واذا كنتي لاتصدقين فان احد الذين قتلتهم اسمه ابو الشامات .
بصراحة .. شعرت بان كل الدنيا لاتسعني , وتمنيت ان اعود الى مكاني السابق المهمل , وحينما تمالكت نفسي , نظرت حولي فرايت اطفال المدرسة كلهم ينظرون الي بحيرة .. قلت للمديرة وللتلاميذ محاولة شرح وجهة نظري :حكايتي فيها الكثير من الحزن والفرح والخيانة . صنعت هناك في بلاد تفصل بيننا وبينها جبال ووديان وبحار .. انا بندقية قديمة , في عام 1948 اشتراني رجل يهودي واعطاني لشاب اسمه ديفيد .
كان ديفيد يهتم بي كثيرا , وينظفني كل يوم , وكان يردد على مسامعي جملا غريبة , وكنت اسمعه احيانا يتناقش مع مجموعة من الرجال حول اشياء مهمة ستحصل .
في احدى المرات سمعتهم يتناقشون , وكان صاحبي يقول لصديقة : سأهاجر .
-متى ؟
-قريبا .
-الى اين ؟
-الى بلاد العسل والخيرات . الارض التي تنتظرنا منذ الاف السنين .
-هل تريد القول .. فلسطين
-نعم فلسطين حلمنا الابدي .. يجب ان نطرد العرب منها
وفعلا ابحر ديفيد ومجموعة كبيرة من الشباب على ظهر سفينة انجليزية متجهه الى فلسطين .. كانو على ظهر السفينة يحملون الكثير الكثير من الاسلحة المختلفة , فقد تعرفت على اصناف مذهلة من البنادق والرشاشات والمدافع .
في الطريق , كان ديفيد يحملني بين يديه ويحتضنني , ويتحدث الي , ويحدثني عن حق اليهود في فلسطين , وكثيرا ما حذرني من انه علي ان اعمل بكل طاقتي في فلسطين , لان العرب متوحشون , ويقتلون بلا رحمة .
نسيت ان اقول لكم اننا معشر البنادق لا نحب قتل الابرياء , واننا نحزن كثيرا اذ تم استخدامنا للشر , وهذا الشيء جعلني اشعر بالسرور , بل واتحمس لقتل العرب مادامو اشرارا كما يقول ديفيد .
بعد ابحار طويل وصلنا الى مدينة اسمها حيفا , وهناك شاهدت الجنود الانجليز وهم يحمون اليهود الذين يدخلون فلسطين عن طريق البحر .
وهناك على الشاطئ تجمع رجال كثيرون راحو يرددون الشعارات المعادية للانجليز واليهود , وكانوا يحاولون الاقتراب من السفينة التي كنت فيها , ولكن الجنود الانجليز ضربوهم بشدة , بل انهم راحو يطلقون عليهم الرصاص , لتسيل الدماء على الارض .. ياه .. هؤلاء المساكين هم العرب !
بعد ان تمكنا من دخول فلسطين , سكن صاحبي في مستعمرة جميع سكانها من اليهود القادمين من اوروبا , وكانو يعملون في الزراعة امام الناس , ويتدربون في السر على القتال , وكانو يتباكون من ان العرب يعتدون عليهم بشكل دائم , والواقع انني لم اشاهد عربيا واحدا يعتدي عليهم , ولكن .. فكرت في الموضوع , فخمنت ان العرب يعتدون على المستعمرات الاخرى .
ذات يوم جاءني صاحبي , وهمس في اذني : سنقوم بعملية بطولية ضد العرب .
فرحت كثيرا , وكدت ان ارقص من السرور , وزاد فرحي وانا اتمايل داخل السيارة التي تسير ليلا , ورحت اتخيل نفسي وانا اجلس مع صاحباتي بعد تلك العملية , وانا افتخر بالعملية البطولية التي قمت بها .
استمرت السيارة تسير بنا نحو قرية عربية سمعتهم يرددون اسمها ويقولون انها ( دير ياسين ) .
في وسط الطريق قال صاحبي لزميلة : سنقتلهم جميعا .
-بل سنطهر الارض منهم .. تخيل كم ستكون الارض جميلة دون ان يكون فيها عرب .
وضحكوا كثيرا , وساروا حتى بلغوا ابواب القرية والسكون يلفها , فوجئت بعدد كبير من السيارات المصفحة والمجنزرات تقف هناك , وفي ساعة الصفر بدأ الهجوم .
في البداية قامت طائرةة بقصف القرية بسبع قنابل , ثم بدأ المشاة بالتقدم , وفرحت وانا ارى اكثر من خمس عشرة دبابة تتقدم وهي تدك القرية بقنابلها الرهيبة .
شيء جميل ان تشارك بندقية مثلي لاتمتلك اي خبرة في القتال في مثل هذه المهمة الجميلة , وسعدت اكثر بصاحبي ديفيد الذي راح يشارك المقاتلين الذين راحوا يطلقون النار في كل الاتجاهات .
حينما كانت الرصاصات تنطلق من فوهتي , مشاعر غريبة كانت تنتابني , مشاعر ممزوجة بالنشوة والفرح والانطلاق , ولم يستمر هذا الشعور طويلا , فقد توقف ديفيد عن اطلاق النار , وراح يساعد بعض المقاتلين , الذين اخذو يحرقون بيوت القرية بالقنابل اليدوية واهلها مازالو فيها , حتى حمير القرية لم تسلم من القتل قلت لصاحبي مستهجنة : لماذا تقتلون الاطفال ؟
-انهم عرب .. ارهابيون .. يجب ان يموتو جميعا .
والذي حصل بعد ذلك , هو ان صاحبي راى من بعيد امراة عربية تقع على الارض مضرجة بدمائها .. المسكينة كانت تحمل بين يديها طفلا رضيعا , كانت تحتضنه بقوة حتى لايقع منها , وهي تتمايل متألمة .
نظر اليها صاحبي وسرح بعيدا , ظننت ان قلبه رق على المراة , وانه يريد انقاذها , وما اكد ظني انه اقترب منها , ثم انحنى الى الارض , وحمل الطفل بين يديه , ثم قربه من فمه وقبله .
كان وجه الطفل صغيرا جدا , وفيه عدد من الشامات الصغيرة الجميلة . وانا ارى صاحبي يعطف عليه احسست انني احبه اكثر , حاولت ان اقول له ذلك , لكنه ابتدرني بالقول :
-علينا مهمة عظيمة ياحبيبتي .
-نعم .. يجب ان ننقذ هذا الطفل المسكين .
-نعم .. يجب ان ننقذه , وافضل طريقة لذلك هي ..
لم يكمل صاحبي كلامه , بل صوبني نحو الطفل , فصرخت به غاضبة : ماذا تفعل ؟
-اريد قتل الطفل وتخليصه من الحياة .
-هذا حرام .
-بل حلال .. الا تعلمين ماذا سيصبح هذا الطفل عندما يكبر .. سيصبح قاتلا .. لذلك يجب قتله من الان من اجل ان تقوم دولة ( اسرائيل ) .
لا ادري كيف طاوعته وقتلت الطفل . الذي المني حقا , هو ان امه التي كانت تلتقط اخر انفاسها , لم تفقد الامل بالمقاومة بل زحفت حتى وصلت الى حجر وامسكته , وضربت به صاحبي , حتى اسالت الدم من وجهه , وماتت الام وطفلها في نفس الوقت .
صدقوني يا أطفال .. انني فقط في تلك اللحظة ادركت ان صاحبي هو الارهابي . نعم صدقوني .. الارهابي هو الذي يخرج في الليل , ويدخل القرى الامنة ويقتل اطفالها ونساءها وحتى حيواناتها . شعرت بالقرف .. لكن .. ماذ يمكن ان افعل .. صدقوني .. صدقوني .. بكست وانا ارى ديفيد واصحابه يمسكون بامراة حامل ويشقون بطنها بالسكين فيخرج الجنين منها لقتلوه على الفور , وهم يصرخون بنشوة ..
مت يا عربي .. الموت لكل العرب .
الطفل ابو الشامات مات شهيدا برصاصة خرجت من احشائي .. وانا اسفة .. اسفة من اجله , ومن اجل كل الاطفال الذين ماتوا على يد اليهود .
بكيت وانا حدث الاطفال عن قصتي , ومع كل التاثر الذي بدا واضحا على وجه المديرة الا انها بقيت مصرة على انها لن تقوم في هذا المعرض بعرض بندقية قتلت طفلا بريئا , وكدت ان افقد الامل .. لكن طفلة صغيرة خرجت من بين التلاميذ , وقالت للمديرة :
لماذا لانعمل معرضا للاسلحة التي اقترفت جرائم وندمت حتى تظهر للناس مدى بشاعة القتل والحروب .
الغريب ان المديرة وافقت على الفور , وقررت عمل معرض بجانب المعرض الاول , ليتعرف الناس على الاسلحة التي استخدمت في القتل .
الشيء المذهل الذي حصل بعد ذلك , ان كل الناس الذين قابلوني , بكوا علي وشعروا وكانهم فقدوا اطفالهم هم .
بعد ان انتهى المعرض .. رفع الاطفال كلهم ايديهم الى السماء ودعو الله ان يخلص فلسطين من القتلة المجرمين , وان يعيش كل اطفال العالم بامان .
أعيش الان في امان , واشعر ببعض الراحة لانني فضحت القتلة .. رحم الله ( ابو الشامات ) وكل الاطفال الشهداء .